إخوان الصفاء

144

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

وقصّته مع المسيح وزكريّا ويحيى ، عليهم السّلام ، وغيرهم من الأنبياء معروفة يطول شرحها . وانما ذكرنا هذه الأحرف في هذه الرسالة لأن أكثر أهل زماننا النّاظرين في علم النجوم شاكّون في أمر الآخرة ، متحيّرون في أحكام الدين ، جاهلون بأسرار النّبوات ، منكرون للحساب والبعث ، فدللناهم على تحقيق ما أنكروه من صناعتهم ليكون أقرب من فهمهم وأوضح لبيانهم ، وكذلك فعلنا في سائر رسائلنا التي عملناها في فنون العلوم . فصل في علم أحكام النجوم وإذ قد ذكرنا طرفا من علم الهيئة وتركيب الأفلاك شبه المدخل والمقدّمات ، فنريد أن نذكر أيضا طرفا من علم الأحكام الذي يعرف بالاستدلال : اعلم يا أخي ، أيّدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن العلماء مختلفون في تصحيح علم الأحكام وحقيقته ، فمنهم من يرى ويعتقد أن للأشخاص الفلكيّة دلالات على الكائنات في هذا العالم قبل كونها ؛ ومنهم من يرى ويعتقد أن لها أفعالا وتأثيرات أيضا مع دلالاتها ؛ ومنهم من يرى ويعتقد أن ليس لها أفعال ولا تأثيرات ولا دلالات البتّة ، بل ترى أن حكمها حكم الجمادات والموات بزعمهم . فأما الذين قالوا إن لها دلالات فهم أصحاب الأحكام ، وإنما عرفوا دلالاتها بكثرة العناية بالأرصاد لحركاتها وتأثيراتها ، والنّظر فيها ، واعتبار أحوالها وشدّة البحث عنها . والنّاس لتصاريف أمورها على ممرّ الأيام والشّهور والأعوام ، أمّة بعد أمّة وقرنا بعد قرن ، كلما أدركوا شيئا منها أثبتوه في الكتب ، كما ذكروها في كتبهم بشرح طويل . وأمّا الذين أنكروا ذلك فهم طائفة من أهل الجدل تركوا النّظر في هذا العلم ، وأعرضوا عن اعتبار أحوال الفلك وأشخاصه وحركاته ودورانه ، وأغفلوا البحث عنها